أحمد بن سهل البلخي

414

مصالح الأبدان والأنفس

وأصل الأشربة كلّها الماء الذي جعله اللّه - تعالى - قواما لحياة كلّ ما أنشأه في هذا العالم ، وهو شراب مشترك لجميع الحيوان لا يستغني عنه شيء منها في قوام حياته ، ثمّ صار الإنسان بعد مشاركته للحيوان في الحاجة إلى الماء مخصوصا بأشربة سوى الماء ، يتّخذها بصنعته وتدبيره ؛ إمّا من عصارات الأشياء التي تؤخذ رطوباتها وتطبخ ، وإمّا أن يخلط بعض أنواع الأشربة « 1 » ، إمّا ليغيّر به الماء الذي يشرب على الطعام إذا كان كريه الطعم ، أو وخيم المزاج ؛ لأنّ الماء وإن كان به حياة كلّ شيء ، فإنّ من أصنافه ما يوجد كريه الطعم ، فلا يستغني عن مزجه بما يصلحه ، / وإن كان عذب المذاق « 2 » إلّا أنّه يضرّ ببرده ورطوبته كثيرا من الناس ، كالمشايخ ، والذين يغلب عليهم مزاج البرودة والرطوبة ، فإنّهم ربّما تأذّوا بشرب الماء الكثير ، واحتاجوا إلى مزجه بما يصلح من مزاجه . ويتّخذ بعضها لطلب اللّذاذة ، وليجعل مشروب الإنسان أشهى وأطيب من المذاق . ويتّخذ بعضها للدواء ، وأيضا للمعالجة ، مثل الأشربة التي يستبشع طعمها ، ويتناول للكثير من الأمراض والعلل . وإنّما القصد من ذكر الأشربة في هذا الكتاب لما يدخل في باب الغذاء دون ما يدخل في باب الدواء ، وهو ما يتهيّأ شربه على الطعام ، والدوام عليه ، ويقوم مقام الماء . فأمّا ما لا يتهيّأ شربه على الطعام ، والدوام عليه ، فهو داخل في باب العلاج ، مثل شراب البنفسج والنّيلوفر « 3 » وما أشبههما ممّا يتعالج « به » للحرارة ،

--> ( 1 ) بعد « الأشربة » جاءت كلمة « إما » وظاهر أنها زائدة . ( 2 ) ( وإن كان عذب المذاق ) معطوفة على ( وإن كان به حياة كلّ شيء ) . ( 3 ) النيلوفر والنينوفر : ضرب من الرياحين ينبت في المياه الراكدة ، بارد في الثالثة ، رطب في الثانية ، مليّن صالح للسعال ، وأوجاع الجنب ، والرئة ، والصدر ( القاموس المحيط نيلوفر 1 / 673 ، والصحاح نيلوفر 1 / 624 ) .